الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
52
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وما بعدها : أنه إن كان ذلك حصل في الماضي فقد حصل صدقها في الماضي . والذي رأى قميصه قدّ من دبر وقال : إنه من كيدكن ، هو العزيز لا محالة . وقد استبان لديه براءة يوسف - عليه السّلام - من الاعتداء على المرأة فاكتفى بلوم زوجه بأن ادّعاءها عليه من كيد النساء ؛ فضمير جمع الإناث خطاب لها فدخل فيه من هن من صنفها بتنزيلهن منزلة الحواضر . والكيد : فعل شيء في صورة غير المقصودة للتوصل إلى مقصود . وقد تقدم عند قوله تعالى : إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ في سورة الأعراف [ 183 ] . ثم أمر يوسف - عليه السّلام - بالإعراض عما رمته به ، أي عدم مؤاخذتها بذلك ، وبالكف عن إعادة الخوض فيه . وأمر زوجه بالاستغفار من ذنبها ، أي في اتهامها يوسف - عليه السّلام - بالجرأة والاعتداء عليها . قال المفسرون : وكان العزيز قليل الغيرة . وقيل : كان حليما عاقلا . ولعله كان مولعا بها ، أو كانت شبهة الملك تخفف مؤاخذة المرأة بمراودة مملوكها . وهو الذي يؤذن به حال مراودتها يوسف - عليه السّلام - حين بادرته بقولها : هَيْتَ لَكَ كما تقدم آنفا . والخاطئ : فاعل الخطيئة ، وهي الجريمة . وجعلها من زمرة الذين خطئوا تخفيفا في مؤاخذتها . وصيغة جمع المذكر تغليب . وجملة يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا من قول العزيز إذ هو صاحب الحكم . وجملة وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ عطف على جملة يُوسُفُ أَعْرِضْ في كلام العزيز عطف أمر على أمر والمأمور مختلف . وكاف المؤنثة المخاطبة متعين أنه خطاب لامرأة العزيز ، فالعزيز بعد أن خاطبها بأن ما دبّرته هو من كيد النساء وجه الخطاب إلى يوسف - عليه السّلام - بالنداء ثم أعاد الخطاب إلى المرأة . وهذا الأسلوب من الخطاب يسمى بالإقبال ، وقد يسمى بالالتفات بالمعنى اللغوي عند الالتفات البلاغي ، وهو عزيز في الكلام البليغ . ومنه قول الجرمي من طي من شعراء الحماسة : إخالك موعدي ببني جفيف * وهالة إنني أنهاك هالا قال المرزوقي في « شرح الحماسة » : والعرب تجمع في الخطاب والإخبار بين عدة